الخطيب البغدادي
243
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
فَصَلِّ بِالنَّاسِ فِي الْمُصَلَّى ، وَانْحَرْ وَأَخْبِرْ بِعِلَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَكْثِرْ لُزُومَكَ دَارَهُ ، فَإِذَا قَضَى نَحْبَهُ فَاكْتُمْ وَفَاتَهُ حَتَّى يُقْرَأَ هَذَا الْكِتَابُ عَلَى النَّاسِ ، وَتَأْخُذَ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ لِلْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ ، فَإِذَا أَخَذْتَهَا وَاسْتَحْلَفْتَ النَّاسَ عَلَيْهَا بِمُؤَكِّدَاتِ الأَيْمَانِ ، فَانْعِ إِلَيْهِمْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَجَهِّزْهُ وَتَوَلَّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ انْصَرِفْ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَتَأَهَّبْ لِرُكُوبِكَ . فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ وَجَدْتَ عِلَّةً ؟ قَالَ : يَا عَمِّ وَأَيُّ عِلَّةٍ هِيَ أَقْوَى وَأَصْدَقُ مِنَ الْخَبَرِ الصَّادِقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ وَنَهَضْتُ ، فَمَا مَشَيْتُ إِلا خُطًى حَتَّى هَتَفَ بِي يَأْمَرنِي بِالرُّجُوعِ فَرَجَعْتُ ، وَقَالَ لِي : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَلْبَسَكَ كَمَالًا أَكْرَهُ أَنْ يَحُطَّكَ النَّاسُ فِيهِ ، وَكِتَابِي الَّذِي فِي يَدِكَ مَخْتُومٌ وَسَيَقُولُ مَنْ يَحْسُدُكَ عَلَى مَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ الْجَلِيلِ أَنَّكَ إِنَّمَا وَفَّيْتَ لِلْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ لأَنَّ الْكِتَابَ كَانَ مَخْتُومًا وَقَدْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْكَ خَاتَمَهُ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَلْسِنَةَ الْحَسَدَةِ عَنْكَ ، فَخُذِ الْخَاتَمَ فَوَاللَّهِ لَتَفِيَنَّ لِلْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَلَيَلِيَنَّ الْخِلافَةَ ، مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ وَانْصَرَفْتُ . وَتَأَهَّبْتُ لِلرُّكُوبِ ، فَرَكِبْتُ وَرَكِبَ مَعِي النَّاسُ ، حَتَّى صَلَّيْتُ بِأَهْلِ الْعَسْكَرِ ، وَنَحَرْتُ وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ خَبَرِهِ ، فَقَالَ : خَبَرُ مَا بِهِ يَمُوتُ لا مَحَالَةَ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ وَجَدْتَ شَيْئًا ؟ فَأَنْكَرَ عَلَيَّ قَوْلِي ، وَكَشَّرَ فِي وَجْهِي ، وَقَالَ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ أَقُولُ لَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهُ تموت ، فَتَسْأَلنِي عَمَّا أَجِدُ لا تَعُدْ لِمِثْلِ هَذَا الَّذِي كَانَ مِنْكَ . ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ عَشِيَّةَ يَوْمِ الْعِيدِ ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ مَنْ عَايَنَتْهُ عَيْنَايَ وَجْهًا ، فَرَأَيْتُهُ فِي تِلْكَ الْعَشِيَّةَ وَقَدْ حَدَثَتْ فِي وَجْهِهِ وَرْدِيَّةٌ لَمْ أَكُنْ أَعْهَدُهَا فَزَادَتْ وَجْهَهُ كَمَالًا ، ثُمَّ بَصَرْتُ بِإِحْدَى وَجْنَتَيْهِ فِي